التنميط الذاتي بوابة قد تُمهد للاضطراب النفسي
عندما ينشأ الفرد في وسط يتعامل معه بأسلوب غير سوي فإنه لا يتأثر بالأحداث وحدها بل بالطريقة التي يُعرِّف بها نفسه والعالم من حوله
ويتشكل ذلك من خلال عدة جوانب أهمها :
1- الكلام الذي يُقال له باستمرار والصفات التي تُكرر على مسامعه حتى يبدأ بتصديقها
2- المعاملة الفعلية التي يتلقاها مثل العنف الجسدي أو اللفظي والإهمال وغياب التعبير عن الحب والاحتواء سواء بالكلمات أو بالتواصل الجسدي مثل الحضن
3- طريقة تعامل الوالدين مع الآخرين فالأبناء لا يتعلمون من كيفية معاملة آبائهم لهم فقط بل يراقبون أيضاً كيف يعامل الوالدان الناس من حولهم سواء بمنحهم ما حُرم منه الأبناء أو بمعاملتهم بطريقة غير سوية
4- طبيعة العلاقة بين الأب والأم وهل تقوم على الاحترام والتفاهم أو علاقة يسودها العنف والإهانة والصراع المستمر
5- طريقة استجابة الوالدين لمشاعر الطفل فهل يُحتوى عندما يحزن ! وهل يُسمح له بالتعبير عن غضبه وخوفه ! أم يقلل من قيمة مشاعره وتُهمَّش باستمرار !
هذه الخبرات المتكررة تُرسّخ أفكار ومعتقدات عن الذات ومع مرور الوقت تندمج في الشخصية لتصبح جزء من فلسفة الفرد عن نفسه والحياة لتصبح ثابتة نسبياً وصعبة التغيير
فالطفل لا يتعلم من أسرته كيف يتعامل مع الآخرين فحسب بل يتعلم منها أيضاً كيف يتعامل مع نفسه
وهنا قد يبدأ ما يمكن تسميته (بالتنميط الذاتي )
وهو أن يختزل الإنسان نفسه في صفة واحدة فيقول لنفسه عبارات مثل :
1- أنا بنت كئيبة
2- انا شب عصبي
3-أنا بنت باردة
4-أنا شب خجول
5- أنا شب ما ببكي وما بزعل
6- أنا بنت رقيقة وحساسة متل الفراشة اي شي بأثر فيني
ومع تكرار هذه العبارات لا تعود مجرد أوصاف لسلوكيات أو حالات مؤقتة بل تتحول تدريجياً إلى جزء من الهوية النفسية فيبدأ الفرد بالتصرف بما يتوافق معها وكأنها حقيقة ثابتة لا يمكن تغييرها
لكن يجب التوضيح أنه من الطبيعي أن يمتلك الإنسان صفات مختلفة أو أن يمر بحالات نفسية متباينة فقد يكون خجول في موقف وغاضب في آخر وحزين في فترة من حياته لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحالات إلى تعريف دائم للذات فيصبح الشخص يرى نفسه من خلال صفة واحدة فقط وينسى أن شخصيته أكثر اتساع وتعقيد من أي وصف واحد
وهنا تكمن الخطورة فالحكم على الذات بصفة واحدة حتى لو كانت تبدو ايجابية ولكنها في الحقيقة قناع يستتر ورائه حقيقة هشة او خوف او مفاهيم مشوهة تمنع الانسان من ممارسة انسانيته
وعند تعميمها على الشخصية بأكملها يُقصي الشخص بقية الصفات والإمكانات الموجودة داخله ويجعله يرى نفسه من زاوية ضيقة مما يقلل من مرونته النفسية وقدرته على التغيير
وقد لا يكون هذا التنميط سبب مباشر للاضطرابات النفسية لكنه قد يُهيئ الأرضية المناسبة لظهورها خاصة عندما يترافق مع ضغوط حياتية مستمرة أو استعدادات نفسية وبيولوجية أُخرى
فالإنسان ليس صفة واحدة ولا موقفاً واحداً ولا تجربة واحدة بل شخصية متكاملة ومتغيرة ، واختزالها في وصف واحد قد يكون بداية لفقدان حقيقتها
لذلك لا يمكننا أن نحكم على أنفسنا بصفة لأننا لسنا جزء بل كُل يحتوي الكثير من الأجزاء القيّمة التي تساعدنا على المضي قدماً وتحمّل مرارة الحياة
•الأخصائية النفسية رنا رضوان



اعرف الفكرة بس مجنت أعرف التسمية شكراً على المقال الرائع
مشكورة على جهدك تخليني كل يوم أعرف شيء جديد عن مجالي مفضل😭