•العلاج النفسي الأُسري (التوجه النُسقي) :
عندما يُعالج النظام بأكمله
في هذا العلاج لا يُنظر إلى الفرد الذي يُعاني من اضطراب نفسي على أنه وحده من يحتاج إلى العلاج بل يُنظر إلى النسق الأُسري بأكمله على أنه جزء من المشكلة وجزء من الحل لذلك لا يقتصر العلاج على الفرد وحده وإنما يمتد إلى أنماط التواصل وطريقة التفاعل والأدوار التي يؤديها كل فرد داخل الأسرة
فالفرد لم يصل إلى معاناته بمعزل عن محيطه بل تأثر بدرجات متفاوتة بالنظام الذي نشأ وعاش فيه وبالرسائل وأساليب التعامل وطبيعة العلاقات التي تربطه بأفراد أسرته ولهذا فإن تغيير هذا النظام قد يكون وسيلة لتحسن الفرد بشكل حقيقي
وفي كثير من الحالات لا تكون الأعراض التي تظهر على أحد أفراد الأسرة مجرد مشكلة تخصه وحده بل قد تكون تعبير عن خلل في ديناميكيات الأسرة بأكملها ولهذا يُطلق العلاج النفسي النسقي على هذا الشخص اسم ( المريض المُعرَّف ) أي الفرد الذي تظهر عليه الأعراض النفسية أو السلوكية بشكل واضح فيُنظر إليه على أنه (المريض )بينما قد تكون هذه الأعراض انعكاس لإختلالات موجودة في نظام الأسرة ككل وليس في هذا الفرد وحده
ولا يعني ذلك أن هذا الشخص لا يُعاني أو أن اضطرابه غير حقيقي وإنما يعني أن أعراضه قد تكون بمثابة رسالة تعبّر عن خلل في العلاقات الأُسرية أو في أنماط التفاعل داخل الأسرة ولذلك فإن الاقتصار على علاجه وحده قد يؤدي إلى تحسن مؤقت بينما يبقى السبب الذي ساهم في ظهور الأعراض واستمرارها قائم
ولهذا فإن العلاج النفسي النسقي لا يسأل فقط ما الذي يعاني منه هذا الفرد بل يسأل أيضاً ما الذي يحدث داخل هذا النظام الأسري حتى ظهرت هذه الأعراض عند هذا الشخص بالتحديد ؟
وحقيقةً لا يرى التوجه النسقي أن الاضطرابات تنشأ دائما بمعزل عن البيئة ولا يختزلها في الفرد وحده بل يفترض أن كثير من الأعراض تتأثر بنظام العلاقات الأسرية وقد تستمر أو تشتد أو حتى تخف تبعاً لطبيعة هذا النظام لذلك فإن فهم الفرد لا يكتمل دون فهم السياق الذي يعيش فيه لأن الإنسان لا يتشكل بمعزل عن العلاقات التي تحيط به وهي الأُسرة
ومثال على ذلك ليتم توضيح ما ذُكر سابقاً
لنفترض أن طفل أصبح عدواني في المدرسة كثير الشجار ويرفض الالتزام بالقوانين او تعليمات المدرسين
ف العلاج التقليدي قد يركز الاهتمام على الطفل وحده وينظر له على أنه هو المشكلة
أما في العلاج النفسي النسقي فإن الأخصائي لا يكتفي بملاحظة سلوك الطفل بل يحاول فهم النظام الأسري الذي يعيش فيه فقد يكتشف أن الوالدين في صراع دائم وأن الطفل يعيش وسط توتر مستمر أو أن أحد الوالدين شديد التسلط بينما الآخر متساهل أو أن الطفل أصبح وسيلة للتعبير عن الصراع بينهما او لمحاولات لا شعورية منهم يقومون بتفريغ صراعاتهم على الطفل دون غيره
في هذه الحالة قد لا تكون عدوانية الطفل هي المشكلة الأساسية بل تكون عرض يعكس خلل في طريقة تفاعل أفراد الأسرة مع بعضهم البعض لذلك لا يقتصر العلاج على الطفل وحده وإنما يشمل الأسرة أيضاً لأن تغيير نمط العلاقات والتواصل داخلها قد يؤدي إلى تحسن أعراض الطفل بشكل ملحوظ
ومثال آخر يوضح مفهوم ( المريض المعرّف )
قد تعيش أسرة في حالة من التوتر المزمن مع صراعات مستمرة وعدم قدرة أفرادها على التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحية وآمنة وفجأة يبدء أحد الأبناء بإظهار أعراض القلق أو الاكتئاب فيجتمع الجميع على أنه هو (المشكلة)ويُؤخذ إلى العلاج النفسي لكن عند دراسة الأسرة يتبين أن هذا الابن لم يكن سبب المشكلة بل كان أول من عبّر عنها من خلال أعراضه فأصبح “المريض المُعرّف" بينما كان الخلل الحقيقي موجود في نمط العلاقات داخل الأسرة منذ سنوات
وبرأيي الشخصي هذه من أجمل الأفكار في العلاج النسقي لأنها تغيّر الطريقة التي قد نفكر فيها ونسأل فيها ذاتنا فبدل أن نسأل من هو المريض يصبح السؤال ما الذي يحدث داخل هذا النظام حتى أصبح هذا الشخص هو من يحمل هذه الأعراض دون غيره ويمكن توسيع منظومة إدراكنا لنفهم كيفية تطور شخصيته ونمطها الذي كان سبب في التأثر الأكبر
•الأخصائية النفسية رنا رضوان



احسنتِ القول دكتورة ، فعلاً الآن في وقتنا الحاضر يجب التركيز على الأسرة اولاً قبل المرض
طرحٌ قيّم يلامس الواقع.. فكثيراً ما نلوم الفرد وننسى أن المشكلة قد تكون في النظام الأسري نفسه وتراكماته. العلاج الأسري خطوة وعي مهمة لمعالجة الجذور بدلاً من الاكتفاء بعلاج الأعراض.